أبوابها مُشرعة..


لكلِّ رأيٍّ حُرٍّ وتقدُّميٍّ ومستنيرٍ وعميق.

(والموضوعات المنشورة فيها تعبِّر عن آراء أصحابها، وقد لا تتطابق - أحياناً - مع رأي صاحب المدوَّنة)

آخر المواضيع

«وصيَّة بليخانوف».. أهي وصيّة أم تصفية حساب؟


سعود قبيلات



في العام 1999 «كَشَفَ» أستاذٌ للفيزياء النظريَّة والرياضيَّة في «جامعة بتسوانا»، اسمُهُ نيكولاي إيفانوفيتش نيجيجورودوف عن ما قال إنَّه «وصيّة» كتبها جورجي بليخانوف قبل وفاته في العام 1918.. بالتحديد، بعد أشهر مِنْ قيام ثورة تشرين أوَّل/أكتوبر 1917.


وقال نيجيجورودوف، ذاك، في تقديمه لهذه «الوصيّة»، إنَّ بليخانوف قد أوصى بأن لا تُنشر «وصيَّته» تلك إلا بعد انتهاء عهد البلاشفة، وإنَّ هناك قسماً آخر مِنْ هذه «الوصيَّة» لم يكشف عنه، لأنَّ بليخانوف أوصى بشأنه بما يلي: «في النهاية أقدِّم بعض الأسطر التي يجب أن لا تُنشر، وإنَّما تُنقل إلى السلطة الديمقراطيَّة المقبلة في روسيا».

ويقول نيجيجورودوف إنَّه رأى أنَّ «شرط بليخانوف»، ذاك، بالنسبة للقسم الثاني من «الوصيّة»، لا ينطبق على السلطة الروسيَّة التي كانت قائمة آنذاك (في العام 1999).

لقد كان بليخانوف – كما هو معروف – أبَ الاشتراكيَّة الديمقراطيَّة الروسيَّة ومؤسِّسها، بل ومعلِّم لينين الأوّل، إلا أنَّه اختلف مع التيَّار الرئيس في هذه الحركة، ألا وهو التيَّار البلشفيّ الذي قام بالثورة في ما بعد وأقام الدولة السوفييتيَّة.

آنذاك، لم يرَ بليخانوف بأنَّ الظروف الموضوعيَّة في روسيا وفي العالم كانت ناضجة لقيام الثورة ونجاحها؛ لذلك، وجد نفسه خارج سياق عمليَّة التغيير الثوريّ الكبرى التي انطلقت في روسيا بعد تشرين الأوَّل/أكتوبر 1917، كما أنَّه حُسب على الجناح اليمينيّ في الحركة الاشتراكيَّة الديمقراطيّة الروسيّة الذي عُرِفَ بـ«المناشفة».

ومع ذلك، لم ينكر البلاشفةُ دورَه وأهميَّته؛ بل إنَّ كتبه ظلَّت تُطبع (وتُنشر) في الاتّحاد السوفييتيّ في جميع عهوده، كما كان يجري التعريف به وبتاريخه وأفكاره باحترام وتقدير كبيرين. أقتطف، هنا، كمثال على ذلك، شيئاً مِنْ ما ورد عنه في كتاب (لوحات ثوريَّة) لأناتولي فاسيليفيتش لوناشارسكي، مفوَّض (وزير) الثقافة في حكومة لينين: «لقد كان بليخانوف أب الاشتراكيَّة الديمقراطيَّة الروسيَّة الجليل، زميلَ أنجلز وموضعَ ثقته، المفكِّرَ ذا المعرفة والثقافة الهائلتين، مؤسِّسَ الحركة الاشتراكيَّة الديمقراطيَّة الروسيَّة وأحدَ اثنين (الثاني كارل ماركس) نسبَ لينين إلى كتاباتهما بالتحديد فضل اعتناقه الماركسيَّة».

ويضيف لوناتشارسكي قائلاً: «كان (بليخانوف) رجلاً متناسقَ التكوين، نحيفاً نوعاً ما، وذا وجه وسيمٍ لافتٍ للنظر بصورةٍ خاصَّة بفضل عينيه البرَّاقتين وحاجبيه الكثّين، اللذين يشكِّلان أهمّ علامة مميّزة فيه. وقد وصفت إحدى الصحف بليخانوف بأنَّه "ظاهرة أرستقراطيَّة". وبالفعل فقد كان بليخانوف في مظهره، في أسلوبه، في نبرة صوته وكلّ تصرُّفاته مطبوعاً بنبالة متأصِّلة – لقد كان "جنتلماناً" من رأسه حتَّى أخمص قدمه – وكان ذلك حريّاً بالإساءة إلى غرائز بعض الناس البروليتاريَّة، ولكن عندما يتذكَّر المرء أنَّ هذا "الجنتلمان" هو ثوريّ متطرِّف وواحد من روَّاد الطبقة العاملة، فإنَّ مظهر بليخانوف الأرستقراطيّ يصبح مؤثِّراً ومثيراً للمشاعر: أنظر أيّ نوع من القوم في جانبنا».  

وفي ما يخصّ بعض سلبيّات شخصيته، قال لوناتشارسكي: «كان بليخانوف أيضاً مذهبيّاً متصلِّباً، مترفِّعاً، وزميلاً من الصعب العمل معه، وشخصاً ذا طبع غير ملائم للسياسة مع أنَّه أمضى معظم حياته في العمل السياسيّ».


«الوصيَّة»*:
رغم الكثير من علامات الاستفهام التي تثير الشكوك حول صحّة هذه الوثيقة وصحّة نسبتها إلى بليخانوف، إلّا أنَّني سأتجاوز ذلك وأركِّز على مناقشة ما ورد فيها مِنْ أفكار.. كما لو أنّها وثيقةً حقيقيّة، ونسبتها إلى بليخانوف صحيحة تماماً. وذلك لأنّ العديد من الماركسيين السابقين استخدموا ما جاء فيها لتدعيم مراجعتهم لمعتقداتهم ومواقفهم الماركسيّة السابقة وتحوّلهم إلى ليبراليين.

يبدأ بليخانوف «وصيَّته» بالتعريف بنفسه، قائلاً: «أنا جيورجي فالنتينوفيتش بليخانوف، الذي أعطى الحركة الثوريَّة في روسيا وأوروبا كلَّ حياته الواعية، والذي يعتبر ليس فقط شاهداً ومشاركاً، بل وبرأي الكثيرين، مذنباً مباشراً في أضخم الأحداث مأساويَّةً في الوطن، لا أستطيع أن أرحل عن الحياة مِنْ دون أن أعلن عن علاقتي بهذه الأحداث».

ويصف شخصيته على النحو التالي: «طابعي صعب ومتناقض، وهو الأمر الذي عانى منه في كثير من الأحيان أقربائي وأصدقائي. ورثت عن أمِّي الإحساس العالي بالعدل، والثقافة، وحبّ الطبيعة، والتواضع، والخجل. وفي الحقيقة، سرعان ما تخلَّصت من الصفة الأخيرة حينما كنت طالباً في السنوات الأولى في كليَّة فورونيج الحربيَّة (…) وعن الأب – الصلابة وقوَّة الإرادة، والقدرة على العمل، والشعور بالكرامة، والواجب والمسؤوليَّة، والحسم والتصميم».

وتنسب «الوصيّة» إلى بليخانوف اعترافه بأخطاء شخصيّة عديدة، وبأنًّه يرى أنَّ خطأه الرئيس الذي لا يغتفر - بحسب ما تقول الوصيَّة – هو لينين!

يقول في هذا الشأن: «فأنا لم أقدِّر جيِّداً إمكاناته، ولم أمعن النظر في أهدافه وإصراره الذي ليس له مثيل، وكنت أنظر إلى تطرُّفه بعين العطف والسخرية. لقد أدخلتُ لينين إلى دوائر الاشتراكيّين الديمقراطيّين الأوروبيّين المؤثِّرين والمعروفين، ورعيته، وقدَّمت له كلّ ما استطعت من عون، وبذلك مكَّنته من الوقوف على قدميه».

ويُضيف قائلاً، في السياق نفسه: «زِد على ذلك: ففي العام 1903 وقفت إلى جانب لينين في خلافه مع مارتوف (زعيم المناشفة) في مؤتمر حزب العمَّال الاشتراكيّ الديمقراطيّ الروسيّ وهو الأمر الذي أدَّى إلى ولادة البلشفيَّة. آنئذ بدا لي أنَّه من الممكن أن أعمل تدريجيّاً على تليين موقف لينين، وأن أؤثِّر على الجانب المرغوب فيه لدى مارتوف ومن ثمَّ أحافظ على وحدة الحزب. ولكن سرعان ما أدركت أنَّ الوحدة مستحيلة لأنَّ كلّ ما كان ليس على هوى لينين، لم يكن يمتلك الحقّ في الوجود. كان لينين مع الوحدة، ولكن تبعاً لمبادئه، وبما يتماشى مع أهدافه وتكتيكاته وشعاراته. بيد أنَّ البلشفيَّة الوليدة سرعان ما استجمعت قواها، أحياناً بسبب جاذبيَّة تكتيكاتها وشعاراتها بالنسبة للبروليتاريا الروسيَّة المتخلِّفة، وأحياناً أخرى بسبب التصميم غير العاديّ للينين وقدرته الجبَّارة على العمل. عندئذٍ كان قد مضى الوقت وأصبح إصلاح الخطأ أمراً غير ممكن».

وفي ظلّ خلافه مع البلاشفة وعدم تأييده لثورتهم، فقد توقَّع بليخانوف أنَّه: «ليس هناك شكّ في أنَّه في حال وصول البلاشفة الفعليّ إلى السلطة، فسوف يلطِّخون اسمي ثمَّ يدفعون به إلى النسيان». 

ويستدرك قائلاً: «ولكن لحسن الحظ لن يحدث ذلك. فأنا أدرك بوضوح مكانتي في التاريخ الروسيّ». 

ثمَّ يستدرك مرَّةً أخرى، فيقول: «أنا لست بروميثيوس، ولا سبينوزا، ولا كانط، ولا هيجل، ولا ماركس. أنا لم أهب النار، ولم أؤسِّس فلسفة جديدة، أو تعاليم اجتماعيَّة جديدة. ولكنَّني مع ذلك أسهمت بقدر ما في قضيَّة تنوير البروليتاريا الروسيَّة، وفي قضيَّة تطوير الفكر الاجتماعيّ الروسيّ. ولذا يمكنني أن أتجاسر على التفكير بأنَّ التاريخ والأحفاد سوف يحاكمونني برحمة».

ثمَّ لا يلبث أن يتوجَّه بالنقد لبعض أطروحات ماركس، وخصوصاً أطروحته حول «ديكتاتوريَّة البروليتاريا»، ويمهِّد لذلك بقوله إنَّ نقده يأتي انطلاقاً مِنْ كونه ماركسيّاً – ديالكتيكيّاً، ومن دون أن يتخلَّى أو يتبرّأ مِنْ أيّ شيء كتبه في الماضي. معتبراً أنَّ وجوده بين الماركسيّين لسنوات طويلة يمنحه الحقّ في قول ذلك. ويوضِّح بأنَّ هذا النقد هو حصيلة لإمعانه التفكير في الأشهر الأخيرة التي أظهرت أنَّ أيَّامه قد أصبحت معدودة وقراره – بسبب ذلك – صياغة ما كان يقلقه منذ زمنٍ بعيد بحداثته ويحيِّره لعدم وجود إثباتات.

وبالنسبة لموقفه من أطروحة «ديكتاتوريَّة البروليتاريا»، فهو يعبِّر عن اعتقاده بأنَّها «لن تتحقَّق أبداً؛ لا الآن ولا في المستقبل».

أمَّا سبب ذلك، فهو، برأيه، أنَّه «بقدر تغلغل وترسيخ آلات الإنتاج الجديدة المعقَّدة المصمَّمة على العمل بالكهرباء، وعلى ضوء إنجازات العلم التالية، سوف تتغيَّر التركيبة الطبقيَّة للمجتمع ليس في صالح البروليتاريا، بل وستصبح البروليتاريا نفسها طبقة أخرى. وسيبدأ تعداد البروليتاريا، تلك التي ليس لديها ما تفقده، في التقلُّص، ومن ثمَّ ستحتل الانتلجنسيا المركز الأوَّل من حيث التعداد ومن حيث الدور في عمليَّة الإنتاج».

ويتوقَّع، بناء على ذلك، أن تتحوَّل الانتلجنسيا «من "خادمة" للبرجوازيَّة إلى طبقة لها خصوصيَّتها وتأثيرها بشكل خطير مِنْ حيث تعدادها الذي ينمو باطِّراد. ومن حيث دورها الذي سيتركَّز في أثناء عمليَّة الإنتاج في توصيل قوى الإنتاج إلى حدّ الكمال: ابتكار آلات جديدة، وأدوات جديدة، وتكنولوجيا جديدة، وخلق عامل رفيع التعليم والثقافة».

كما أنَّه يتوقَّع أيضاً أنَّ «تنامي دور الانتلجنسيا في عمليَّة الإنتاج لا بدَّ أن يؤدِّي إلى تخفيف التناقضات الطبقيَّة (…) وزيادة دور جانب المبادئ الإنسانيَّة العامَّة. وعلى سبيل المثال، ففي المستقبل لا بدَّ وأن تتَّسع أطر المبادئ الإنسانيَّة (كحدّ من الحدود السابقة)، التي تفهم في أيَّامنا هذه كمنظومة التصوُّرات حول قيم الإنسان ومصلحته وحقِّه، إلى مفهوم ضرورة الاهتمام بكلّ ما هو حيّ، وبالطبيعة المحيطة، وهذا هو تطوير وتقوية دور الجانب الإنسانيّ العامّ لهذا الحدّ».

وحيث أنَّه يتوقَّع «أن يرتفع العامل إلى مستوى الانتلجنسيا»، فإنَّ ذلك يقوده إلى استنتاج أنَّ ديكتاتوريَّة البروليتاريا ستكون في هذه الحالة نوعاً من أنواع العبث. ويتساءل هو بنفسه حول هذه التغيُّرات التي طرأت على فكره: «ما هذا؟ هل هو ابتعاد أو انحراف عن الماركسيَّة؟»

ويجيب هو أيضاً بنفسه: «لا، وألف لا‍!‍‍‍‍‍‍‍‍‍ أنا واثق أنَّ ماركس مع هذا الانعطاف للأحداث، وحدوث ذلك كلّه في أثناء حياته، كان سيرفض على الفور شعار ديكتاتوريَّة البروليتاريا».

ثمَّ يسترسل، بعد ذلك في توقُّعاته بالنسبة للمستقبل، قائلاً: «وبقدر التغيُّر النوعيّ لقوى الإنتاج سوف تتشكَّل طبقات جديدة، وعلاقات إنتاج جديدة، وسيجري الصراع الطبقيّ بشكل جديد، وستتغلغل الأفكار الإنسانيَّة بعمق في جميع طبقات المجتمع. وسوف يتعلَّم المجتمع حتَّى الذي بقي منه رأسمالياً من حيث الجوهر، تجاوز أزماته. وستعمل الأفكار الإنسانيَّة والإنتاج الضخم على تحييد عمليَّة الإفقار».

وهو، لذلك، لا يتوقَّع أنَّ الرأسماليَّة ستدفن قريباً، لأنَّها «شكل اجتماعيّ مرن يُبدي ردود أفعال على النضال الاجتماعيّ، يتغيَّر ويتحوَّل ويتكيَّف، يتأنسن ويتحرَّك في اتِّجاه فهم وإدراك وتكييف أفكار متفرِّقة من الاشتراكيَّة».

و«يتنبَّأ» بمرور الرأسماليَّة في أثناء تطوُّرها بالمراحل التالية: «الرأسماليَّة القوميَّة المتوحِّشة، الرأسماليَّة الدوليَّة المتوحِّشة، الرأسماليَّة الليبراليَّة بعناصر ديمقراطيَّة، الرأسماليَّة الليبراليَّة – الديمقراطيَّة، الرأسماليَّة الإنسانيَّة – الديمقراطيَّة بمنظومة متطوِّرة للتأمينات الاجتماعيَّة. وأنا لا أرى ضرورة لمحاولات التنبؤ أو التكهُّن بملامح محدَّدة بالضبط للمرحلة الأخيرة التي يمكن أن تسير فيها عناصر الرأسماليَّة والاشتراكيَّة جنباً إلى جنب ولمدَّة طويلة: ستتنافس في أمور ما وستكمل بعضها بعضاً في أمور أخرى ومن الممكن في المستقبل أن تموت الرأسماليَّة من تلقاء نفسها، في بطء ومن دون مرض، ولكن ذلك يحتاج إلى قرن على الأقل، وربَّما ليس إلى قرن واحد».

ولكنَّه، مع ذلك، ينفي أن يكون قد تراجع عن فكرة الطفرات الثوريَّة، وإنَّما هو يرى هذه الطفرات على نحو مختلف فيعتبر «أيّ تغيير نوعيّ لعلاقات الإنتاج، حتَّى غير الملحوظ، ثورة».

وفي النهاية، فهو يقترح، كبديل لشعار «ديكتاتوريَّة البروليتاريا»، شعار «سلطة الشغّيلة».

وتحت عنوان فرعيّ، هو «حول البلاشفة وتكتيكاتهم وأيديولوجيَّتهم»، يتَّضح مدى غضب كاتب «الوصيَّة» (سواء أكان بليخانوف أم سواه) على البلاشفة، متلبِّساً بلبوس التحليل السياسيّ والفكريّ، من النصّ التاليّ الذي يقدِّم مِنْ خلاله رؤيته لأسباب ازدهار حركة البلاشفة، وهي: «تخلُّف البروليتاريا الروسيَّة، وكثرة العناصر اللاطبقيَّة، والأميَّة وانعدام الثقافة لدى الروس».

ثمّ ينسب البلشفيَّة إلى اليعقوبيَّة والبلانكيَّة، ويعتبر تكتيكات وأيديولوجيّة البلاشفة موجَّهة للبروليتاريا الرثَّة. «هي اقتران دوجمائيّ توليفيّ (أو اصطفائي) لأفكار بلانكي وباكونين وللفوضويين – النقابيين وماركس. وهي ماركسيَّة مشوَّهة».

ويصل به الغضب إلى حدّ أنَّه لا يرى جديداً في البلشفيَّة سوى «شيء واحد فقط؛ العنف الطبقيّ الشموليّ غير المحدود».

ثمَّ يفصِّل رأيه في هذا الأمر، قائلاً: «إنَّ العنف الطبقيّ الذي يميل إليه البلاشفة كطريقة لتحقيق ديكتاتوريَّة البروليتاريا يخفي وراءه خطراً هائلاً، لأنَّه من الممكن أن يحوَّل إلى عنف شموليّ تمارسه الدولة في ظلّ الظروف الحاليَّة لروسيا. (…) الاشتراكيَّة هي مجتمع العدل الاجتماعيّ والإنسانيَّة، ولذا لا يجوز بناؤه على أساس القوَّة والعنف».

ويرى أنَّه «سوف يتحوَّل العمّال في ظلّ الاشتراكيَّة اللينينيَّة مِنْ عمّال يستأجرهم الرأسماليّ إلى عمّال تستأجرهم الدولة الإقطاعيَّة».

كما أنَّه يبدي اعتراضات غاضبة كذلك على كلّ الخطوات التي أيَّدها لينين أو قام بها، ابتداء من صلح بريست وحتَّى مرسوم لينين بمنح حق تقرير المصير لفنلندا. وفوق هذا وذاك، فإنَّه يعتبر ثورة تشرين أوَّل/أكتوبر 1917 انقلاباً وليست ثورة اشتراكيَّة.

وحيث أنَّه يرى أنَّ «روسيا ليست جاهزة للثورة الاشتراكيَّة، لا بمستوى تطوُّر قوى الإنتاج، ولا بتعداد البروليتاريا، وثقافة الجماهير ووعيها»، فهو يستنتج أنَّ «التجربة الاشتراكيَّة التي اخترعها لينين لن يكون مصيرها إلا الفشل».

و«توقَّع» أن تكون مراحل تطوُّر سلطة البلاشفة على النحو التالي: «سرعان ما تتحوَّل ديكتاتوريَّة البروليتاريا على الطريقة اللينينيَّة إلى ديكتاتوريَّة الحزب الواحد، وديكتاتوريَّة الحزب الواحد إلى ديكتاتوريَّة قائده الذي سيدعِّم سلطته في البداية بالعنف الطبقيّ ثمَّ بعد ذلك بالعنف الشامل للدولة».

ثمَّ، بعد ذلك، «توقَّع» أن يصطدم البلاشفة بأربع أزمات صعبة على طريق إرساء دعائم سلطتهم:

الأزمة الأولى، القريبة عديمة الرحمة، القادمة – هي أزمة المجاعة. وتوقَّع أن يتجاوزها البلاشفة بإنهاء تحالفهم مع الاشتراكيين الثوريين اليساريين، وأن يصمدوا بعد ذلك عاماً أو عامين؛

الأزمة الثانية، هي الأزمة الناجمة عن انهيار علاقاتهم مع حلفائهم من الاشتراكيين الثوريين اليساريين. وتوقَّع أن يتغلَّب عليها البلاشفة عن طريق «إشعال حرب أهليَّة طويلة الأمد، ثمَّ باستخدام العنف الطبقيّ غير المحدود وقوانين زمن الحرب. (…) وسوف يصمد البلاشفة في السلطة خمساً وعشر سنوات أيضاً»؛

الأزمة الثالثة، هي أزمة الطابع السياسيّ الاقتصادي، إذ «حينما قام البلاشفة عام1917 بتقديم تنازلات إلى الاشتراكيين الثوريين اليساريين وضعوا بذلك تحت أنفسهم قنبلة موقوتة: جعلوا الأرض مشاعاً على الرغم من أنَّ برنامجهم منذ البداية كان يتضمَّن تأميمها. ومن أجل اجتياز هذه الأزمة الأخطر، فالبلاشفة مضطرّون إلى إعلان حرب شاملة على الفلاحين وإبادة الجزء الأفضل منهم – أولئك الذين يستطيعون ويريدون العمل»؛

وبعد اجتياز هذه الأزمة، توقَّع «أن يصمدوا سنواتٍ كثيرةً إلى أن تحلّ الأزمة الرابعة – الأزمة الأيديولوجيَّة، حينما تبدأ السلطة البلشفيَّة بالتحلّل من داخلها. ولكن عمليَّة التحلّل يمكن أن تمتد لعشرات السنين».

ثمَّ يضع الاستدراك التالي في نهاية تنبؤاته: «تنبؤاتي هذه بطبيعة الحال معرَّضة للتصحيح من قبل كافة المواقف المحتملة والممكنة في المستقبل، تلك المواقف التي لا يمكن استباقها أو التنبؤ بها، والتي تتعلَّق بصاحب الجلالة – الظرف، وعلى سبيل المثال، عندما يتمّ دحر ألمانيا – وأنا لا أشك إطلاقاً في أنَّها ستندحر – فعلى أيَّة صورة ستكون أوروبا ما بعد الحرب؟ ومن سيخلف لينين في حالة وفاته... الخ، أنا لا أستثني أيضاً إمكانيَّة أنَّ لينين كشخص مرن بشكل تكتيكيّ وعارف جيِّد بالماركسيَّة، يمكنه في مراحل معيَّنة إجراء تعديلات مهمَّة في اتِّجاه الابتعاد عن التحوُّلات الاشتراكيَّة المقرَّرة، وهو ما سوف يستدعي عدم رضاء حثالة البروليتاريا».

لكنَّه يعود في النهاية فيؤكِّد استنتاجه الأساسيّ: «بيد أنَّ البلاشفة بأيديولوجيَّتهم الموجَّهة إلى العناصر المنفصلة عن طبقاتها سوف يفشلون في نهاية الأمر – وهذا ما لا شكَّ فيه. ذلك مسألة وقت لا أكثر».

بعد ذلك، يفرد قسماً خاصّاً من وصيته تحت عنوان «حول لينين والقادة الآخرين الملتوين»، فيقول: «لينين تلميذي الذي لم يتعلَّم منِّي أيَّ شيء سوى أن يكون خصمي الذي ستُكتب عنه المجلَّدات في المستقبل. (…) لينين – بلا شكّ – شخصيَّة بارزة وعظيمة والكتابة عنه أمر صعب: فهو متعدِّد الأوجه، ومثل الحرباء يغيِّر لونه وقت الضرورة. هو مع الانتلجنسيا – مثقَّف، ومع العمّال "عامل"، ومع الفلاّحين – فلاّح. هو قانونيّ وصدفويّ، منطقيّ وغير منطقيّ، بسيط ومعقَّد، ثابت على مبادئه ومنحرف عنها، "ماركسيّ" وشبه ماركسيّ… الخ وسوف يكون ثمَّة انحراف من جانبي لو اتَّهمته بعدم معرفة الماركسيَّة، وسيكون هناك كذلك خطأ لو قلت إنَّه دوجمائيّ. فلينين ليس دوجمائيّاً. إنَّه يعرف الماركسيَّة. ولكنَّه، مع الأسف، "يطوِّرها" بإصرار يستحيل على الفهم في اتِّجاه أحاديّ؛ في اتِّجاه التزييف وبهدف واحد؛ بهدف إثبات صحَّة استنتاجاته الخاطئة. ففي الماركسيَّة لا يلائمه فقط أنَّه من الضروريّ الانتظار إلى أن تنضج الظروف الموضوعيَّة من أجل الثورة الاشتراكيَّة. (...) لينين – المغرض الذي يرى هدفه ويسعى نحوه بثبات خارق دون أن يتوقَّف أمام أيّ عقبات – هو ذكيّ بشكل غير عاديّ، ونشيط، ولديه قدرة غير عاديَّة على العمل، وليس متعجرفاً وليس اقتصادويّاً (ميركانتاليّاً)، ولكنَّه مفرط الأنانيَّة بشكل مرضيّ، وليس لديه أيَّة قدرة على تحمُّل النقد. (…) هو جريء وحاسم، ولا يفقد أبداً رباطة جأشه، وصلب، وحذر، ومرن في أساليبه التكتيكيَّة».

ثمَّ يَخلُص كاتب «الوصيّة» إلى استنتاجٍ مدهشٍ في تبسيطه، فيقول: «إنَّ انقلاب أكتوبر ووجود لينين في الوقت الحاضر أمر غير شرعيّ، وإنَّما مصادفة قاتلة». ذلك لأنَّه، حسب رأيه، «لو كانت الحكومة المؤقَّتة قد أنهت الحرب في ربيع عام 1917، وحلَّت قضيَّة الأرض بلا إبطاء، لما ظلَّت لدى لينين أيَّة فرصة للقيام بالثورة الاشتراكيَّة، ولكان اسمه قد شُطب تماماً من صفوف الذين يستدعيهم التاريخ».

تأكيد الأهميّة القصوى لـ«جلالة الظرف الموضوعيّ» ثمّ وضع «لو» في مواجهته، أمرٌ شديد التناقض والسذاجة. ويصعُب تصوُّر أن يبني رجلٌ يتبنَّى التفكير العلميّ تقييمه لحدثٍ كبير مثل ثورة تشرين أوَّل/أكتوبر 1917 على «لو»!

إنَّ الفهم العلميّ لما حدث في تشرين أوّل/أكتوبر 1917، هو أنّه كانت توجد – آنذاك – مهمّات تاريخيّة ضروريّة كبرى وملحَّة، عجز الجميع عن إنجازها، فأخذ لينين ورفاقه مسألة إنجازها على عاتقهم. وليست المسألة مسألة «لو» أو ما شابه، بل هي مَنْ هي القوّة التي كانت مؤهّلة موضوعيّاً للتصدّي للمهمّات المطروحة في تلك اللحظة التاريخيّة الحاسمة.

على أيَّة حال، لينين، بالنسبة لكاتب «الوصيَّة»، هو باختصار: «روبسبير القرن العشرين».

بعد ذلك، يصف كاتب «الوصيّة» شخصيَّة تروتسكي. وهنا، يكون حجم الغضب أكبر ومقدار القسوة أشدّ، ربَّما لأنَّ تروتسكي غيَّر موقفه السابق المعارِض للبلاشفة والتحق بهم عشيّة الثورة.

يقول بليخانوف: «تروتسكي شخص متعجرف للغاية، وأنانيّ، ولا مبدئيّ، ودوجمائيّ حتَّى أظافره. (…) إنَّه على الدوام موجود حيث يوجد المتقدِّمون والرابحون. ولكنَّه مع ذلك لا يتراجع أبداً عن محاولاته في أن يصبح الشخصيَّة الأولى. (…) وإذا اتَّضح أنَّ الثورة اللينينيَّة محكوم عليها بالفشل، فسوف يكون أوَّل من يغادر صفوف البلاشفة. ولكن إذا اتَّضح أنَّها ستنجح، فسوف يفعل كلّ ما بوسعه من أجل إزاحة لينين. (…) إنَّ لينين – زعيم البلاشفة – لم يكن أبداً ليوافق على أن يكون زعيم أيَّة مجموعة أخرى. أمَّا بالنسبة لتروتسكي فأهمّ شيء لديه هو أن يكون زعيماً، ولا يهمّ زعيم أيّ حزب».

ثمَّ يستعرض، بعد ذلك، شخصيّات كامينيف وزينوفييف وبوخارين؛ وتقييمه لهؤلاء سلبيّ أيضاً، باستثناء بوخارين، حيث يبدو كلامه عنه مشوب بنبرة تعاطف: «بوخارين – بلشفيّ مبدئيّ وراسخ العقيدة، وليس مفتقداً للمنطق والرأي الخاص وإمكانات النظر. لم يتَّفق في كثير من الأحيان مع آراء لينين بشأن الكثير من القضايا. ومن الممكن أن يصبح بوخارين بالذات – في حالة وفاة لينين – هو الشخصيَّة القياديَّة لديكتاتوريَّة البروليتاريا. ولكن ليس من المستبعد، وفي أثناء حياة لينين أيضاً، أن تقوم القافلة الثانية من البلاشفة بالتخلُّص من بوخارين والشخصيَّات الأخرى المذكورة مثلما فعل الجيرونديّون في زمنهم، وهذا هو الأمر الذي لن يعترض عليه لينين أبداً».
                          
خاتمة
من الواضح أنَّ الكثير مِنْ مشاعر الحقد والرغبة في تصفية الحساب وسواهما من المشاعر السلبيَّة، تقف وراء بعض آراء وتقييمات كاتب هذه «الوصيّة» المزعومة. وبالمجمل، فإنَّ معظم الآراء التي اشتملت عليها «الوصيَّة»، تُعدُّ أفكاراً نمطيّة لدى كثيرين مِنْ مَنْ غادروا صفوف الماركسيّة عقب انهيار الاتّحاد السوفييتيّ والتحقوا بصفوف خصومها من الليبراليين الجدد. وبالمقابل، فما مِنْ شكّ في أنَّ بعض الآراء الواردة فيها قد عُرف بليخانوف بتبنّيها في أثناء نشاطه السياسيّ والفكريّ.

وأودّ، هنا، أنْ أعود لأناقش، بشيءٍ من التفصيل، التناقضَ الرئيس، الذي وقع فيه كاتب «الوصيّة»، في حديثه عن أنَّ ثورة تشرين الأّوّل/أكتوبر كانت مجرّد صدفة تاريخيّة؛ ثمَّ إشارته، في الوقت نفسه، إلى قيام البلاشفة بحلّ المشكلات التي لم تقم الحكومة المؤقّتة والأحزاب الأخرى الكثيرة بحلِّها (وهذا، ضمناً، مجرّد صدفة أيضاً، برأيه)! وعلى هذا التناقض، انبنى الكثير مِنْ جوانب الموقف السلبيّ مِنْ ثورة أكتوبر.

لقد كانت مسألة وقف الحرب بحاجة للحسم، ولم يفعل أحدٌ شيئاً في هذا المجال، في الفترة الواقعة ما بين شباط وبين تشرين أوّل من العام 1917. والأمر نفسه، ينطبق على مسألة الأرض ومسألة الخبز. وهي المسائل الرئيسة التي خرج العمّال والفلّاحون والجنود والشعب إلى الشوارع والساحات، في شهر شباط، مِنْ أجل حلّها. وبناء عليه، فقد كانت هناك، خلال تلك الفترة، حالة مراوحة وجمود؛ أي حالة أزمة. والأزمة إذا تُركت مِنْ دون حلّ تتطوَّر حتماً بشكلٍ خطير لا أحد يعرف نتائجه النهائيَّة أو اتِّجاهاته. وقد نجح البلاشفة في التصدّي لهذه الأزمة وكسبوا الشعب لأنَّهم قدَّموا حلولاً لمشاكله الملحَّة.

أمَّا في ما يتعلَّق بمسألة بناء الاشتراكيَّة في بلدٍ واحدٍ فقير ويعاني من المجاعة، فقد أدرك لينين أنَّ الثورة بعد انتصارها قد وقعت في مأزقٍ خطيرٍ من هذه الناحية، خصوصاً بعد فشل الثورات الاشتراكيَّة في أوروبا الغربيَّة؛ لذلك عدَّل البلاشفة برنامج المهمّات المطروحة عليهم ليتَّجه نحو بناء رأسماليّة الدولة الوطنيّة، كمهمّة أولى وأساسيّة في المدى التاريخيّ المنظور، على طريق بناء الاشتراكيّة ثمّ الشيوعيّة. وقد خطوا خطوةً كبيرة، في هذا الاتِّجاه، مِنْ خلال «الخطَّة الاقتصاديَّة الجديدة (نيب)»، التي قدَّمها لينين في أوائل العشرينيّات، والتي ركَّزت على تعميم الحوافز، وإرساء الأسس الاقتصاديَّة لتحالف العمّال والفلاّحين، وإطلاق طاقات القوى المنتجة.

باختصار، كان التحوّل الذي انفتحت آفاقه للدولة السوفييتيّة بعد الـ«نيب» هو التحوّل من رأسماليَّة دولة وطنيَّة بذاتها (أي رأسماليّة دولة وطنيّة بالضرورة التاريخيّة) إلى رأسماليَّة دولة وطنيَّة لذاتها؛ أي رأسماليّة دولة وطنيّة تتطوّر وفق برنامجٍ واعٍ ومدروس، يهدف في المدى البعيد (في الحالة السوفييتيّة) إلى وضع الأسس والقواعد المتينة للانتقال إلى الاشتراكيّة ثمّ الشيوعيّة.

ولكن، غياب لينين المبكِّر أحبط هذه العمليَّة المهمَّة. وبالنتيجة، وقع الاتِّحاد السوفييتيّ، بعد سنين طويلة، في قبضة قوىً اقتصاديَّة وسياسيَّة رثَّة وجدت نفسها في تناقض تناحريّ مع علاقات الإنتاج الخاصّة برأسماليّة الدولة الوطنيّة ذات الآفاق الاشتراكيّة.

وبناء عليه، حدث التحوّل الانفجاريّ والمدمّر والمنفلت للدولة السوفييتيّة، كما شهدناه في أوائل تسعينيّات القرن الماضي، بهدف تحرير القوى الطبقيّة الرثّة، التي كانت تهيمن على السلطة في تلك اللحظة التاريخيّة الحاسمة، من القيود القانونيّة والأيديولوجيّة والثقافيّة والاجتماعيّة الاقتصاديّة السوفييتيّة التي كانت تحدّ مِنْ قدرتها على النهب والإثراء، ولتفتح أمامها أبواب الانتقال إلى مرحلة جديدة ونوعيّة من الاستغلال والهيمنة الطبقيّين.

وهذا، على خلاف ما حدث في الصين؛ حيث تمكَّنت الصين من التحوُّل في الوقت المناسب مِنْ رأسماليّة دولة وطنيّة «بذاتها» إلى رأسماليَّة دولة وطنيَّة «لذاتها». وبالنتيجة، تجنَّبتْ الوقوع في قبضة القوى الاقتصاديَّة والسياسيَّة الرثَّة، أو في مثل تلك الحالة الانفجاريّة التي حدثت في الاتّحاد السوفييتيّ. بيد أنَّ التجربة الصينيّة لا تزال مفتوحة على آفاقٍ مختلفة واحتمالاتٍ متعدِّدة.

وأخيراً، نعود إلى ما سُمِّيَ «وصيَّة بليخانوف»، المكتوبة – كما سبق أنْ أشرنا – بلغة تنمُّ على حقدٍ شديد ورغبةٍ قويّة في تصفية «الحساب التاريخيّ» مع البلاشفة. ونسأل: هل كان بليخانوف، هو حقّاً، مَنْ قام بهذه المحاولة لتصفية الحساب؟ أم أنّ سواه سعى إلى ذلك باسمه؟

نترك الإجابة على هذا السؤال إلى فطنة القارئ ونباهته.. خصوصاً أنَّ الوثيقة، التي اُستُخدِمَتْ لإتمام هذه العمليّة، لا يوجد ما يُسندها سوى مزاعم شخصٍ واحد، هو أُستاذ الفيزياء النظريّة والرياضيّة نيكولاي إيفانوفيتش نيجيجورودوف، الذي لم يسمع أحدٌ به بعد ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتبتُ هذا الموضوع في العام 2004، ونشرتُه في جريدة «الغد» الأردنيّة في حينه. وعندما أردتُ، مؤخّراً، إعداده ليكون جزءاً مِنْ كتابٍ لي، خطر لي أنْ أحاول معرفة ما إذا كانت ثمَّة كتابات عربيّة أخرى بهذا الشأنْ، فوجدت أكثر مِنْ مقال تناول «وصيّة بليخانوف» أو أشار إليها.

وعلى سبيل المثال، وجدتُ بياناً لكريم مروّة، بعنوان: «مِنْ أجل يسار لبنانيّ جديد وحركة شعبيّة حاملة مشروع للتغيير» (منشور في جريدة النهار اللبنانيَّة، في تاريخ 19 أيلول 2015) يراجع فيه، مِنْ موقع ليبراليّ مستجدّ (وبمنطق ذرائعيّ)، موقفه السابق من الشيوعيّة ومِنْ لينين ومِن البلاشفة وثورة تشرين أوَّل/أكتوبر السوفييتيّة، وكذلك موقفه مِنْ بعض أفكار ماركس الأساسيَّة.. مبرهناً على صحّة مراجعاته، تلك، بالمراجعات المزعومة التي جاءت في ما سُمِّي «وصيّة» بليخانوف.. كما لو أنَّها وثيقة حقيقيّة مثبتة ولا تشوبها أيّة شائبة من الشكّ!

وبالمقابل، وجدتُ، مقالاً لميثم الجنابيّ، منشوراً في موقع «الحوار المتمدِّن» – العدد 3586 – تاريخ 24/12/2011، بعنوان: «(وصيَّة) بليخانوف الأخيرة، أم آخر اختراعات – التكنولوجيا القذرة – لليبراليّة الروسيّة؟».

وفي مقاله، هذا، يؤكِّد الجنابيّ، مِنْ موقع دراسته المسبقة لبليخانوف وكتاباته، بأنَّ هذه «الوصيّة» منحولة. يقول: «شاءت المصادفة أن يكون بليخانوف موضوع أوّل بحثٍ فلسفيٍّ كتبتُه في بداية حياتي العلمية. بل وترجمت أغلب كتاباته (عن الروسية) لحاجاتي الشخصية، وبالأخص المتعلق منها بفلسفة التاريخ والفكر السياسي الاشتراكي، إضافة إلى بحوثه عن دور الفرد في التاريخ. ولهذا لم تثر "وصيته" عندما قرأتها للمرة الأولى، كما هو الحال عند كل أولئك الذين لهم علاقة بالفكر الفلسفي بشكل عام وبشخصية بليخانوف بشكل خاص، غير اليقين التام بكونها منحولة».

ويوضِّح الجنابيّ حيثيَّات موقفه هذا، قائلاً: «القضية هنا ليست فقط في أنها لا تشبه في شيء وصية الأحياء، كما أنها لا تشبه في شيء وصية الأموات، بل وفي عبارتها الركيكة وتشفيها "الليبرالي" وتناقضاتها الهائلة في التعبير عن قضية غاية في البساطة، ألا وهي صياغة "منظومة" من الشتائم، التي تستجيب للوعي السياسي المبتذل في روسيا الحالية عن لينين والبلشفية وتاريخ الدولة السوفيتية. والهاء اليسار الروسي بالجدل عن "وصية" عثر عليها "أستاذ للفيزياء النظرية والرياضية يعمل في جامعة بتسوانا"».

وهي، في النهاية، كما يقول: «"وصية" بلا توقيع صاحبها ولا تأكيد محلّف ولا ختم حقوقي!».

ثمّ إنَّه (الجنابيّ) لا يرى، ثمَّة، وجاهة في ترجمتها، وذلك لأنَّ: «ترجمة "الوثائق المهمة" ينبغي أن تقع على اختيار الوثائق المهمة فعلا، لا على تلك التي ينشرها "أساتذة الفيزياء الرياضية" وأمثالهم. فلو كانت وصية بليخانوف في الفيزياء والرياضيات لكان نشرها ضرورياً (في مجلة الفيزياء بالطبع!)».
إقرئ المزيد Résuméabuiyad

لا تتركوا الهواملة يواجه مصيره وحيداً..


// سعود قبيلات//



يستحقّ النائب غازي الهواملة الاحترام والتقدير والمساندة والتضامن، وليس الصياح في وجهه ومطالبته بالاعتذار وبالتراجع عن كلامه.. على النحو الغريب الذي واجهه به بعض زملائه ورئيسهم.

عن ماذا يجب أنْ يعتذر النائب الهواملة؟ وهل هو مَنْ يجب أنْ يعتذر أم سواه؟

النائب الهواملة قام بواجبه الدستوريّ.. ألا وهو المساءلة، وتحدّث في صلب الموضوع المثار هذه الأيّام من الحكومة ومن الجميع.. ألا وهو موضوع «العقد الاجتماعيّ». وبالمناسبة، فهو قال كلاماً واضحاً ومحدّداً في هذا المجال، في حين أنَّ الآخرين ما زالوا يهوّمون مِنْ دون أنْ يعرف أحدٌ ما الذي يعنونه بكلامهم عن العقد الاجتماعيّ.

النائب الهواملة تحدّث عن ضرورة إعطاء الولاية العامّة للحكومة، وعن تداخل الصلاحيّات بين الملك وبين زوجته، وعن وجود آلاف الموظّفين في الديوان الملكيّ.. الخ. وهذا تقوله الغالبيّة الساحقة من الأردنيين وتشكو منه.. ليس في المجالس الخاصّة فقط، وإنّما علناً وعلى مواقع التواصل الاجتماعيّ.

ما فات النائب الهواملة قوله هو أنَّ الملك يمسك بيده جميع السلطات، وأنّ آلاف الموظّفين الموجودين في الديوان الملكيّ هم بمثابة دولة فوق الدولة. وكلّ هؤلاء الذين يتدخّلون في شؤون الدولة مِنْ دون مسوّغ دستوريّ، إنّما يفعلون ذلك بالاستناد إلى الصلاحيّات المطلقة التي يمسك بها الملك.

إنَّ هذا الخلل في النظام السياسيّ في الأردن هو أُسُّ كلّ جوانب الخلل الأخرى. وإذا لم يتحدّث عنه الذين يثرثرون عن العقد الاجتماعيّ، فعن ماذا سيتحدّثون إذاً؟

العالم تغيّر كثيراً مِنْ حولنا، فمِنْ بين اثنين وأربعين نظاماً ملكيّاً (مملكة، إمارة، مشيخة، دوقيّة) موجوداً الآن، توجد اثنتان وثلاثون ملكيّة نيابيّة. أي ممالك تحكمها الأغلبيّة النيابيّة التي يشكّل رئيسُها الحكومةَ، فتكون الحكومةُ هي وحدها صاحبة الولاية العامّة. أمّا رأس الدولة (الملك، أو الأمير، أو الدوق.. الخ)، فيكون رمزاً للدولة وضامناً للدستور.

الدول العشر الباقية هي ملكيّات أوتوقراطيّة (حُكمُها فرديّ مطلق)، وهي الأردن والمغرب ودول الخليج وبروناي.

تجدر الإشارة، هنا، إلى أنَّ الأوتوقراطيّة قد تكون دستوريّة وقد تكون غير دستوريّة. ففي هاتين الحالتين كلتيهما يجمع الحاكمُ الوراثيُّ، كلَّ الصلاحيّات بيده، سواء برّر ذلك بنصوص دستوريّة أو مِنْ دونها. بيد أنَّ كثيرين لا يعرفون هذا الفرق في المفاهيم ويخلطون بين الملكيّة النيابيّة وبين الملكيّة الدستوريّة.

والشعب الأردنيّ يستحقّ نظامَ حكمٍ ديمقراطيٍّ حقيقيّ وعصريّ؛ فهذا كان مطلبه وحلمه دائماً.. منذ ما قبل قيام الدولة الحاليّة. كما أنّ هذا هو ما طالبت به الحركة الوطنيّة الأردنيّة، طوال عمر الدولة الذي يُقارب القرن. ونجد تعبيراً واضحاً عن بواكيره في الخطاب السياسيّ الراقيّ للمؤتمر الوطنيّ الأردنيّ الأوّل الذي عُقِدَ في العام 1928.

والدستور الأردنيّ، أيضاً، يُفتَرَض أنّه يؤسّس لملكيّة نيابيّة وليس لملكيّة أوتوقراطيّة بقناع دستوريّ؛ حيث تنصّ المادّة (1) فيه على أنَّ «نظام الحكم نيابيّ ملكيّ وراثيّ». أي أنَّ النيابة هنا مقدَّمة على كلّ ما عداها. ولكن، معظم التعديلات التي جرت على الدستور، وكذلك بعض النصوص القديمة فيه، تتعارض مع هذا البند الجوهريّ التأسيسيّ الذي يُعرِّف طبيعة النظام السياسيّ.

على أيّة حال، النائب الهواملة لم يخطئ، لكي يطالبه رئيس المجلس بالاعتذار ويقدّمه للمساءلة؛ فكلّ ما قام به هو أنّه أدّى بعض أوجه واجبه كنائب. ومَنْ يجب أنْ يعتذر هو النوّاب الذين قصّروا ويقصّرون في أداء واجبهم الدستوريّ، ورئيس مجلس النوّاب الذي – بخلاف الدستور والقانون – يعاقب نائباً لأنّه قام بواجبه الدستوريّ.

النوّاب يُفتَرَض أنْ يكونوا ممثّلين للشعب وليس لسواه، وأنْ يذودوا للدفاع عنه وعن حقوقه.. لا أنْ يساعدوا أصحاب السلطة والنفوذ في التغوّل عليه. وعلى رأس حقوق الشعب هذه التي مِنْ واجب النوّاب الدفاع عنها، حقّه الدستوريّ المصادَر في أنْ يكون مصدر السلطات، وحقّه وحقّ النوّاب أنفسهم في المساءلة.. المعطّل بسبب تعطيل المبدأ الدستوريّ القائل بأنّه لا مسؤوليّة مِنْ دون مساءلة.

ولذلك، فإنّه من العجيب أنْ ينبري النوّاب للتصدّي لزميلٍ لهم.. لا لشيء سوى أنّه حاول مساءلة صاحب المسؤوليّة الحقيقيّ!

قبل مداخلة النائب الهواملة الشجاعة تلك، لم أكن أعرفه، بل ولم أكن أهتمّ بما يجري في مجلس النوّاب. وأظن أنّ هذا كان موقف أغلب الأردنيين. ولكن، بعد هذه المداخلة، فلدينا نائب اكتسب شرعيّة وطنيّة واسعة.. وكلّ أملنا أنْ يثبت على موقفه ويصمد في وجه الرياح العاتية التي ستهبّ ضدّه، وأنْ لا يتركه الشعب والوطنيّون والديمقراطيّون الأردنيّون يواجه مصيره وحده. فإذا تركناه، سينطبق علينا القول المأثور:

«أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض».

بل أيضاً: «ولات ساعة مندم».
إقرئ المزيد Résuméabuiyad